حين يختبرك الطريق
قبل أسبوع كنا مسافرين لمدينة أخرى نعزي أختي في وفاة زوجها الله يرحمه ويغفر له.
كانت الرحلة أصلًا مثقلة بالمشاعر كل واحد فينا شايل همّه وحزنه، والجو العام كله صمت وتهيّب.
جلستُ في الطائرة بجانب امرأة ومعها طفل صغير بعمر أربع أو خمس سنوات
هي جلست عند الشباك، طفلها بيننا، وأنا على طرف المقعد عند الممر.
وقبل حتى ما توقف الطائرة وتفتح أبوابها،
وقف الرجال كالعادة رغم تنبيه المضيف ألا أحد يتحرك قبل الوقوف التام.
وفجأة قامت المرأة هي أيضًا،
وأشارت لي بيدها وقالت بنبرة آمِرة:
"اطلعي بأطلع."
بدون لو سمحتي بدون أي لمسة احترام.
ردّيت عليها بهدوء:
"ما أقدر… الرجال واقفين وما في مجال أمر بينهم."
وفعلاً، ما كان فيه مكان حتى أتحرك خطوة.
لكنها بدأت تتأفّف وتتنفّس بغضب،
وظلت واقفة رغم إن الطائرة ما زالت تتحرك.
ولما وقفت الطائرة أخيرًا وبدأ الناس يتحركون…
ما زال الممر مزدحم، وما زال ما فيه مجال نطلع.
رجعت تكرر بعصبية:
"بأمشي"
وقفت أخذ شنطتي من الدرج العلوي
وهنا انفجرت.
صرخت بأعلى صوتها، بكلمات جارحة وسبّ وقِلّة احترام،
صوتها كان عالي لدرجة أن الناس كلها التفتت
وأنا من الصدمة ما قدرت أتكلم.
ما توقعت إن إنسانة ممكن تتصرف بهالطريقة في مكان عام
أمام طفلها الصغير قبل كل شيء.
لكن قبل ما أتحرك
التفتّ عليها وقلت:
"لا ترفعين صوتك. أنتِ غير محترمة "
ثم مشيت وتركتها خلفي.
ما أعرف ظروفها
ولا أعرف إذا كانت حياتها ضاغطة عليها
لكن ولا شيء يبرر إنها تفقد الحياء لدرجة تصرخ وتسبّ أمام طفلها
وفي طيارة مليانة ناس تناظر وتشوف.
وكل اللي كان يشغل بالي بعد الحادثة هو ولدها
وش الدرس اللي راح يتعلمه وهو يشوف أمه تتصرف بهالطريقة؟
كيف راح ينشأ طفل وهو يشوف القدوة الأولى في حياته تهاجم وتصرخ وتقلل احترام الآخرين؟
الحياء زينة المرأة،
وهو قبل ما يكون خلق… هو عبادة.
النبي ﷺ قال:
"الحياء شعبة من شعب الإيمان."
فكيف لمن فقدت حياءها أن تُربّي حياءً في غيرها؟
وإذا كانت الأم هي المدرسة الأولى…
فكيف يكون أثرها إن كانت المدرسة خالية من الأدب؟
درس اليوم:
الناس قليلة الاحترام… لا تردّون عليهم.
لا تنزلون لمستواهم
ولا تضيّعون طاقتكم على من لا يستحق.
مرّوا مرور الكرام، تجاهلوهم، وابتعدوا عنهم.
ليس كل صراخ يستحق جوابًا
ولا كل إساءة نرد عليها.
أحيانًا الصمت هو أعلى درجات الرقي…
وأنقى أشكال الحياء.


تعليقات
إرسال تعليق